سيد محمد طنطاوي

94

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

هذا ، وقد حكى لنا القرآن في سورة مريم دعاء زكريا بصورة أكثر تفصيلا فقال : ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَه زَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّه نِداءً خَفِيًّا . قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً ولَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ، وإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي ، وكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ، يَرِثُنِي ويَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ واجْعَلْه رَبِّ رَضِيًّا . هذا هو دعاء زكريا كما حكاه اللَّه - تعالى - في أكثر من موضع في كتابه الكريم فما ذا كانت نتيجة هذا الدعاء الخاشع ، والتضرع الخالص ؟ لقد كانت نتيجته الإجابة من اللَّه - تعالى - لعبده زكريا ، فقد قال - تعالى - : * ( فَنادَتْه الْمَلائِكَةُ وهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّه يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى ) * . أي : فنادت الملائكة زكريا - عليه السّلام - وهو قائم يصلى في المحراب ، يناجى ربه . ويسبح بحمده بأن اللَّه قد استجاب دعاءك ويبشرك بغلام اسمه يحيى ، لكي تقر به عينك ويسر به قلبك . والتعبير بالفاء في قوله * ( فَنادَتْه ) * يشعر بأن اللَّه - تعالى - فضلا منه وكرما قد استجاب لزكريا دعاءه بعد فترة قليلة من هذا الدعاء الخاشع ، إذ الفاء تفيد التعقيب . ويرى فريق من المفسرين أن الذي ناداه هو جبريل وحده ، ومن الجائز في العربية أن يخبر عن الواحد بلفظ الجمع . قال ابن جرير : كما يقال في الكلام : خرج فلان على بغال البريد وإنما ركب بغلا واحدا وركب السفن وإنما ركب سفينة واحدة وكما يقال : ممن سمعت هذا ؟ فيقال : من الناس ، وإنما سمعه من رجل واحد ، وقد قيل : إن منه قوله - تعالى - الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ والقائل كان فيما ذكر واحد « 1 » . ويرى فريق آخر منهم أن الذي نادى زكريا وبشره بمولوده يحيى ، جمع من الملائكة لأن الآية صريحة في أن هذا النداء قد صدر من جمع لا من واحد ، ولأن صدوره من جمع يناسب هذه البشارة العظيمة ، فقد جرت العادة في أمثال هذه البشارات العظيمة أن يقوم بها جمع لا واحد ، ولا شك أن حالة زكريا وحالة زوجه تستدعيان عددا من المبشرين لإدخال السرور على هذين الشخصين الذين كادا يفقدان الأمل في إنجاب الذرية . وقد رجح هذا الاتجاه ابن جرير فقال « وأما الصواب من القول في تأويله فأن يقال : إن اللَّه - جل ثناؤه - أخبر أن الملائكة نادته ، والظاهر من ذلك أنها جماعة من الملائكة دون

--> ( 1 ) تفسير ابن جرير ج 3 ص 249 .